الشيخ محمد هادي معرفة
160
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وأسهب في النقض والإبرام ، وأخيرا نسب كلًاّ من الفريقين إلى المغالاة ، واختار هو وسطا بين الرأيين - فيما حسب - وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بيّن الكثير دون الجميع ، وترك ما استأثر اللّه بعلمه ، وما يعلمه العلماء ، وتعرفه العرب بلغاتها ، ممّا لا يُعذَر أحد في جهالته . قال : وبديهيّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يفسّر ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب ، كما لم يفسّر ما استأثر اللّه بعلمه ، كقيام الساعة وحقيقة الروح ، ممّا يجري مجرى علم الغيوب التي لم يطّلع اللّه عليها نبيّه « 1 » . * * * قلت : لم أجد ، كما لا أظنّ أحدا ذهب إلى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يبيّن من معاني القرآن سوى البعض القليل وسكت عن الباقي ( الكثير طبعا ) ، بعد الذي قدّمنا ، وبعد ذلك الخضّم من تفاصيل الأحكام والتكاليف التي جاءت في الشريعة ، وكانت تفسيرا وبيانا لما أُبهم في القرآن من تشريعات جاءت مجملة وبصورة كلّيّة ، فضلًا عمّا بيّنه الرسول وفضلاء صحابته والعلماء من أهل بيته ، شرحا لمعضلات القرآن وحلًاّ لمشكلاته . أمّا الذي نسبه إلى شمس الدين الخُوَيِّيّ « 2 » وجلال الدين السيوطيّ ، من ذهابهما إلى ذلك ، فإنّ كلامهما ناظر إلى جانب المأثور من تفاسير الرسول ، المنقول بالنصّ فإنّه قليل « 3 » ، لو أغفلنا ما رويناه بالإسناد إليه صلى الله عليه وآله وسلم عن طرق أهل البيت الأئمّة من عترته الطاهرة - صلوات اللّه عليهم - كما أغفله القوم ، وإلّا فالواقع كثير وشامل ، ولا سيّما إذا ضممنا تفاصيل الشريعة ( السنّة الشريفة ) إلى ذلك المنقول من التفسير الصريح . وقد جعل السيوطيّ جُلّ تفاصيل الشريعة الواردة في السنّة تفسيرا حافلًا بمعاني
--> ( 1 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 1 ، ص 53 - 54 . ( 2 ) - . هو أبو العبّاس أحمد بن خليل المهلبيّ الخُوَيِّي 583 - 637 ه . صاحب الإمام الرازيّ والمتمّم لتفسيره . ولد في خوي من أعمال آذربيجان ، وتعلّم بها وبخراسان ، ثمّ ولّى قضاء دمشق وتُوفّي بها . ( 3 ) - . قال الخويّي : وأمّا القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلّا بأن يسمع من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذلك متعذّر إلّا في آيات قلائل الإتقان ، ج 4 ، ص 171 . وقال السيوطيّ - عند بيان مآخذ التفسير - : الذي صحّ من ذلك ( المنقول عن النبيّ ) قليل جدّا ( المصدر نفسه ، ص 181 ) .